الأحد، 12 يونيو، 2011

الطريق إلى سيدي بوزيد

    الأحد, يونيو 12, 2011   No comments




نواف القديمي

وأنا أستمع للأستاذ الذي هاتفني ليدعوني إلى المشاركة في مؤتمر يُعقد بتونس.. لم أفكر لحظتها في طبيعة المؤتمر وموضوعه، بقدر ما شعرتُ بأنها لحظة مناسبة لرؤية (تونس ما بعد الثورة).. تلك التي أوقدت الشرارة، وفيها سقط مكعّب الدومينو الأول في مشهد التداعي العربي الكبير.

وحين أتحدث عن (تونس ما بعد الثورة) فكان بداهة -عندي على الأقل- أن تشمل الرحلة زيارة المدينة الصغيرة التي انطلقت منها الثورة (سيدي بوزيد).

ولأن المؤتمر يتحدث عن العالم العربي بعد الثورات. وقد اختار لهذا السبب تونس مكاناً لانعقاده.. فقد دفعني هذا إلى توقع أنني سأجد عدداً من الضيوف العرب يُشاركونني الرغبة في زيارة سيدي بوزيد.. ولم تكن المفاجأة في أنني لم أجد أحداً ينوي ذلك.. فهذه المدينة الصغيرة ليست قريبة من العاصمة، بل تقع في منطقة صحراوية حارّة بوسط تونس، وتحتاج لكي تصل إليها أكثر من أربع ساعات بالسيارة.. لكن المفاجأة كانت في مدى اندهاش الكثيرين حين أسألهم إن كانوا يرغبون الذهاب لها.. وكان سؤالهم المُتكرر: وهل في سيدي بوزيد شيء يستحق الزيارة؟!.. وكنتُ أجيبهم ضاحكاً: بالطبع.. هناك البركة.

أصدقاء توانسة قالوا لي إنه يجب الحذر في هذا الوقت تحديداً أثناء زيارة سيدي بوزيد.. لأن مناطق قريبة تشهد حالياً مواجهات دامية مع الأمن، وقد سقط حتى الآن عشرة قتلى وتسعون جريحاً.. وقد تتسع رقعة المواجهات أكثر.

تقع مدينة سيدي بوزيد بوسط تونس تماماً، وهي جنوب العاصمة بقرابة الثلاثمائة كيلومتر.. وفي منتصف الطريق إليها تقع مدينة القيروان التاريخية.. لهذا انطلقتُ صباح الأحد 5 يونيو/ حزيران في حافلة بصحبة عدد من المشاركين بالمؤتمر الذين قرروا زيارة عِدة مدن سياحية بدءا بالقيروان.. وفي القيروان -التي زرتها من قبل- ودّعتهم وركبت مع سائق أجرة للبحث عن وسيلة تنقلني إلى سيدي بوزيد.

محطة الحافلات
كانت الساعة دون العاشرة صباحاً بقليل.. ذهبتُ إلى محطة الحافلات الكبيرة، فأخبروني بأن حافلة سيدي بوزيد ستتحرّك في الثانية عشرة والنصف ظهراً، أي بعد ساعتين ونصف الساعة.. سألت سائق التاكسي عن حلٍ أسرع للوصول.. فأخبرني بأن عليّ أن أتوجه إلى (الولاج) وهي المحطة الخاصة بالحافلات الصغيرة (الميكروباص) التي تنقل الركاب إلى عدة مدن بدون توقيت مُحدد، ولكن بمجرد امتلاء الحافلة.

وفي الولاج حجزت مقعداً في الحافلة المتجهة إلى سيدي بوزيد، واتجهت إليها لأتفاجأ بأنني حتى الآن الراكب الوحيد على هذا الخط.. وأن عليّ أن أنتظر حتى يأتي سبعة ركاب كي تمتلئ هذه الحافلة الصغيرة وتتحرّك.. فكّرتُ لوهلة أن أشتري تذاكر كل المقاعد وأتحرك وحدي، فسِعر المقعد الواحد ليس مرتفعاً بالطبع.. ولا أريد إضاعة مزيدٍ من الوقت.. ولكني تراجعت عن هذا السلوك البرجوازي رغبة في الالتزام بتقاليد هذا المكان البسيط.

ذاكرة احتجاجيّة
ما حصل في سيدي بوزيد لم يكن استثناءً في التاريخ التونسي الحديث.. فلتونس ذاكرة احتجاجية عريقة تمتد حتى أواسط القرن التاسع عشر.. صحيح أن الأحزاب المحليّة ضعيفة ولم تلعب دوراً كبيراً في مسيرة النِضال السلمي ضد السلطة.. ولكن في تونس ثمة تشكيلات نقابيّة ومهنية عريقة كانت دوماً رأس حربة في مسيرة الدفاع عن الحقوق والحُريّات.. من أبرزها (اتحاد الشغل) و(نقابة المحامين).

والتجربة الاحتجاجيّة التونسيّة تتذكر دوماً باعتزاز (عليّ بن غذاهم) الذي كان يُلقّب بـ (باي الشعب)، وهو من قبيلة ماجر بولاية القصرين، وقد قاد ثورة ضد الحكومة التونسيّة عام 1864م بسبب مُضاعفة الدولة لضريبة الإعانة رغبة في حلّ المشاكل الاقتصاديّة التي كانت تعانيها تونس.. وقد شملت الثورة عدة مناطق في الشمال الغربي والساحل والجنوب.. إلا أن قوات السُلطة (الباي) تمكنت في نهاية المطاف من إخمادها.. وتم اعتقال بن غذاهم في فبراير/ شباط 1866م، ومات بالسجن في أكتوبر/ تشرين الأول 1867م.

وفي القرن العشرين شهدت تونس كثيراً من الاحتجاجات السلميّة، من أبرزها تلك التي قادها فرحات حشّاد ضد السلطة الاستعمارية، ونتج عنها تأسيسه لأقوى تشكيل نقابي مُستقل بتونس (الاتحاد العام للشغل) عام 1946م. وبسبب المواقف الصارمة لابن حشّاد تجاه استغلال السلطة، وبسبب الإضرابات الكبيرة التي قادها، وموقفه الحاد تجاه قوات الاحتلال الفرنسي، تم اغتياله على يد عِصابة (اليد الحمراء) التي تتكون من فرنسيين مُقيمين بتونس، يوم 5 من ديسمبر/ كانون الأول 1952م.

وبدوره قاد الاتحاد العام للشغل -الذي له حضور واسع في كل المدن التونسية- مسيرة طويلة من الاحتجاجات السلميّة.. من أبرزها الإضراب الكبير الذي قاده عام 1978م وشمل غالب المدن التونسيّة، ونتج عنه مواجهات عنيفة مع السلطة سقط على إثرها عشرات القتلى وتم اعتقال قادة الإضراب لعدة أعوام.. أيضاً كان لاتحاد الشغل دور كبير في قيادة ثورة الخبز عام 1984م التي اشتعلت احتجاجاً على رفع أسعار الخبز والحبوب، ونتج عنها تراجع الرئيس بورقيبة عن قراره برفع الأسعار.

إضراب الجوع
وكان آخر حدث احتجاجي كبير شهدته تونس قبل الثورة هو (إضراب الجوع) الذي أعلنه ثمانية من القادة الحزبيين والحقوقيين يوم 18 من أكتوبر/ تشرين الأول2005م قُبيل مشاركة إسرائيل في قمّة المعلومات بتونس.. وكان الإضراب موجهاً ضد مشاركة إسرائيل، وضد الاستبداد والفساد وقمع الحريات وسياسة الإفقار والاستغلال.. ونتج عنه تأسيس أبرز تكتل حقوقي بين الإسلاميين والعلمانيين هو (هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات).

وبرزت في الداخل التونسي شخصيات عديدة من الرجال والنساء كانت صارمة في موقفها ضد انتهاكات حقوق الإنسان، وتعرّضت بسبب ذلك إلى الاعتقال والأذى الأمني المتواصل.. من أبرزهم الكاتبة الصحفيّة (نزيهة رجيبة/أم زياد)والناشطة الحقوقيّة (سهام بن سدرين) والناشط السياسي والحقوقي (المنصف المرزوقي) والسياسي (أحمد المنستيري)، وسواهم.
امتدت لحظات انتظاري في المحطة قرابة الساعة.. في أثنائها تجولت على دكاكينٍ تبيع حلوياتٍ تشتهر بها القيروان، وأخرى تبيع منتجات شعبيّة.. ثم أخذتُ أتجول بين الحافلات.. أشاهد الناس وأستمع لأحاديثهم، وقد بدا لي واضحاً أنه كلما نزلتَ جنوباً في تونس، زاد الفقر، وقلّ التعليم، وبدت سِحنات الوجوه أكثر سُمرة وكدحاً، حتى أنك تكاد تستطيع أن تُميّز سُكان الجنوب عن الشمال.

وتحركت الحافلة باتجاه سيدي بوزيد بعد أن اكتملت في الساعة الحادية عشرة صباحاً.. وبدا الطريق ضيّقاً وزِراعيّاً في غالبه.. ويمر بوسط عدة قرى.. ويمتد لقرابة المائة وخمسين كيلومتراً باتجاه الجنوب.. وفيه نقطع عدة كيلومترات من الطُرق الترابية.. ولأن المزارع كانت تُحيطنا عن اليمين والشمال في بداية الطريق، توقّف سائق الحافلة مرتين كي يشتري هو وبعض الركّاب بعض الفواكه والخضراوات من هذه المزارع.. ولكن كلّما توغلت الحافلة في الطريق أكثر تضاءل منسوب الاخضرار في المُحيط، وازدادت ملامح الصحراء.

وقبل الوصول إلى سيدي بوزيد بنصف ساعة، كان الخبر الأول الذي بثته الأخبار الإذاعيّة هو سفر الرئيس اليمني علي عبد الله صالح إلى السعودية للعلاج، وكيف أن الثوّار اليمنيين اعتبروا خروجه نصراً، وأنه لن يعود.. عندها بدأت تعليقات ركاب الحافلة على خبر لجوء الرئيس اليمني -بعد رئيسهم زين العابدين- إلى السعودية.. وكان جيداً أنني لم أتحدث مع أحدٍ من الركاب أثناء الطريق، لذا لا أحد يعرف أنني سعودي.. فكانت فرصة للاستماع إلى انطباعاتهم دون تحفّظ .. طبعاً كانت النتيجة كما هو مُتوقّع أننا (تشرشحنا).

وصلتُ إلى سيدي بوزيد قبل الواحدة ظهراً.. وكان بانتظاري الأستاذ محمد طاهر.. وهو رجلٌ في أواخر الثلاثينيّات من عُمره.. ومن أعضاء حزب النهضة الإسلامي.. وقد قضى من شبابه أربعة أعوامٍ في السجن ابتداءً من 1991م بسبب نشاطه مع الحركة الطلاّبية بالجامعة التونسيّة.

بعد ركوبي مع طاهر وترحيبه الودود بي، التفتَ إليّ وقال: ما الذي تريد أن تعرفه في سيدي بوزيد؟.. قلت له مُبتسماً: أتيتُ كي أسمع القصة من أصحابها، وعلى أرضها، دون أن تُلوثها وسائط العولمة، ودون أن تَفقِد روحها وهي تتنقّل في مسارب الأثير الفضائي.

جامع الرحمة
سيدي بوزيد هو اسم لمُحافظة بالوسط التونسي.. تتوسطها مدينة سيدي بوزيد الصغيرة.. ويبلغ عدد سكّان المدينة قرابة الخمسين ألفاً.. غالبهم يعمل بالزراعة أو التجارة.. وغالب سكان المدينة ينتسبون لقبيلة (بني هلال) التي تسكن عشائرها بعدد من مدن الوسط التونسي.. ومحمد البوعزيزي ينتمي لعشيرة (الحورشان) من بني هلال.. وتُعتبر سيدي بوزيد من المُدن حديثة النشأة في تونس.. فهي لم تتأسس سوى قبل خمسين عاماً أو أزيد قليلاً.. وقد أُطلق عليها هذا الاسم لكونها تأسست بأرض تضم مقاماً لوليٍ اسمه (سيدي بوزيد).

مع طاهر اتجهنا أولاً لصلاة الظهر في جامع الرحمة.. هذا الجامع الكبير في هذه المدينة الصغيرة هو الذي شهد الشرارة الأولى للقصة.. فعلى بوابته الغربيّة كانت تقف عربة محمد البوعزيزي (محمد هو اسم الشهرة، واسمه في الأوراق الرسميّة طارق) ليبيع الخُضار يوم 17 ديسمبر/ كانون الأول 2010م .. وبعد الصلاة أتته (فادية حمدي) المشرفة في البلدية (مشرفو البلديات يُسمون في تونس بـ "أعوان التراتيب") ومعها رجل أمن، وصادرت الخُضار، وتعاملت معه بقسوة، وتفوّهت بألفاظ نابية، ويُقال إنها قامت بصفعه أيضاً.

عندها غضب محمد البوعزيزي.. وذهب إلى (قصر البلديّة) ليرفع شكوى على عون التراتيب (فادية) التي أهانته وصادرت خُضاره.. ولكن البلديّة لم تُنصفه ولم تلتفت لشكواه.. عندها اتجه البوعزيزي إلى مقر (الولاية) ليقابل مُحافظ المدينة.. ولكن المُحافظ لم يقبل بلقائه ابتداءً، فضلاً عن أن يستمع لشكواه.. بل قام موظفو الولاية بطرده وشتمه بألفاظ نابية.. وحينئذٍ ذهب محمد وأحضر إناءً يحوي بنزينا.. ووقف على باب الولاية.. وسكب البنزين على جسده.. ثمّ أحرق نفسه.. هذه هي الخطوط العريضة للقصة كما نُشرت في كل الصحف والمواقع.

* * * *

تداعيات الثورة
لم تكن ظاهرة إحراق النفس احتجاجاً على قمع السُلطة مُمارسة جديدةً في تونس.. ولم يكن محمد البوعزيزي هو أول من فعلها.. بل حصلت عِدة حوادث مُشابهة في التاريخ التونسي الحديث.. ففي عام 1990م أقدم شابٌ من محافظة سليانة على حرق نفسه أمام مقرّ المحافظة احتجاجاً على مُمارسات قمعيّة مورست ضِده.. وقبل شهور من قصة البوعزيزي أقدم رجل اسمه عبد السلام تريمش (وهو أبٌ لطِفلين) في الأسبوع الأول من مارس/ آذار 2010م على حرق نفسه أمام مقرّ محافظة المنستير بسبب مُصادرة مصدر رزقه وإهانته بقسوة.. وبعد هاتين الحادثتين كانت الاحتجاجات تثور في المحافظات التي تقع بها.. ولكن سرعان ما يتم إخمادها بقسوة أمنية.

وبعد إحراق محمد البوعزيزي نفسه مساء 17 ديسمبر/كانون الأول 2010م.. نامت سيدي بوزيد وهي على فوّهة بركان.. وكان يمكن أن يمرّ مشهد احتراق البوعزيزي كما مرّ غيره سابقاً.. ولكن ابن عمّه وبعضاً من أفراد أسرته وعشيرته الصغيرة قررت الاحتجاج في الغد أمام مقرّ الولاية.. واحتج ما يُقارب الخمسين شخصاً منهم.. وواجهتهم قوات الأمن بالعصي والقنابل المُسيلة للدموع واستطاعت تفريقهم.. وفي اليوم الذي تلاه واصلت ذات المجموعة الاحتجاج.. وتواصل القمع لهذه المظاهرات الصغيرة التي كان غالب المشاركين بها من أبناء عشيرته، إضافة إلى محامٍ صديقٍ للعائلة.

واصلت هذه المجموعة المُنتمية إلى عشيرة البوعزيزي احتجاجاتها لبضعة أيام.. وكانت في كل يوم تتصاعد المواجهات (لاحظ كيف يُمكن أن يكون للعشيرة دور إيجابي في الوقوف بوجه القمع والظلم).. وهو ما أدّى إلى ازدياد أعداد المُشاركين في المظاهرات.. وبعد أيام صارت الاحتجاجات تتجاوز الإطار الضيّق وبدأت تعمّ مُعظم المدينة.. وشارك شباب سيدي بوزيد بحماسٍ في هذه الاحتجاجات اليومية.. وسقط منهم قتيل واحد وعدد من الجرحى.

بدء الاحتجاجات
وهنا بدأت الاحتجاجات تتجاوز مُحيط سيدي بوزيد.. حيث انتقلت إلى عدة مدن محيطة.. فانتقلت أولاً إلى مدينة "القصرين" التي تبعد عن سيدي بوزيد ثمانين كيلومتراً.. والقصرين شهِدت أعنف المواجهات مع الأمن في تاريخ الثورة التونسية.. وتجاوز عدد القتلى فيها أكثر من ثلاثين شخصاً.. إضافةً لعشرات الجرحى (وهناك أحاديث عن عمليات اغتصاب عديدة قام بها عناصر الأمن).. وهو ما جعل البعض يكتب أن احتجاجات مدينة القصرين كانت مُنعطفاً مُهماً في الثورة.

وعند ذلك بدأت دائرة الاحتجاجات بالاتساع.. ووصلت إلى مدينة تالة القريبة من القصرين، والتي شهدت أيضاً مواجهات دمويّة.. وانضمت معظم القرى التابعة لمحافظة سيدي بوزيد إلى الاحتجاجات (المكناسي، وسيدي علي بن عون، ومنزل بوزيان، والرّقاب).. وفي مواجهتها ازداد استخدام الأمن للرصاص الحي الذي صار يوجه للصدور والرؤوس.. ووسط هذا القمع خرج الرئيس بن علي بخطابه الأول يوم 30 ديسمبر/ كانون الأول، وتحدث فيه بلغة حازمة عن نيته قمع الخارجين عن القانون.. وبعد هذا الخطاب المُستفز، بدأت عدوى المظاهرات تنتقل إلى عدد آخر من المدن التونسية.

ومع امتداد الاحتجاجات بدأ الحضور الكبير لـ (نقابة المُحامين) أولاً، ثم لـ (اتحاد الشغل) وذلك بالمشاركة في تنظيم وتأطير هذه الاحتجاجات.. حيث كان للحضور الكبير للمحامين ووقوفهم في الصفوف الأولى للمظاهرات دور مُؤثر في التدعيم الحقوقي لهذه الاحتجاجات، وكسب تعاطف المنظمات الحقوقية الدولية.. وبدأ الأمن في مطاردة المحامين، وتم اعتقال وضرب الكثير منهم.. وفي يوم 6 يناير/ كانون الثاني قام المحامون بإضرابٍ شمل كافة المحاكم احتجاجاً على التعامل الدموي مع المظاهرات.

طلبة الجامعات
ووصلت الاحتجاجات إلى الأوساط الجامعية.. حيث أقدم طلبة الجامعات في العاصمة وسوسة وعدد من المدن على تشكيل مظاهرات احتجاجية ضد ما يجري.. ولكن المظاهرات بالمدن الكبيرة لم تتجاوز بعدُ الأوساط النقابية والجامعية.

ومن المنعطفات المهمة بالثورة التونسية التظاهر الشعبي الكبير يوم 12 يناير/ كانون الثاني بصفاقس التي تُعدّ أهم معقِلٍ للنقابيين وثاني أكبر مدينة بتونس.. حيث تظاهر بهذا اليوم أكثر من خمسين ألفاً.. ويذكر المدوّنون للتاريخ الاحتجاجي التونسي أنه ما أن تُعلن صفاقس العصيان حتى تتبعها العاصمة.

وفي اليوم التالي بدأت بالفعل المظاهرات الشعبيّة الكبيرة تجتاح العاصمة تونس.. وبدأت تتردد شائعات عن استقالة الرئيس وعن سقوط مئات القتلى في المدن.. وبسبب ذلك سادت بعض أعمال الفوضى والنهب للمحال التجارية، وقام السكّان بتخزين المواد الغذائية، وتم إغلاق المؤسسات والمحال التجارية، وتوقفت القطارات، وقُطعت بعض الطُرق الرئيسية.

وفي اليوم الذي تلاه (14 يناير/ كانون الثاني) شل الإضراب العاصمة ومعظم المدن.. واندفعت الحشود بعشرات الآلاف إلى شارع الحبيب بورقيبة حيث مقر وزارة الداخلية.. وغصّ الشارع بالمتظاهرين الذين حاصروا مبنى الوزارة وهم يرددون الشعارات المطالِبة برحيل بن علي وإسقاط النظام.. وفي الخامسة مساءً تسرب خبر هروب الرئيس إلى فرنسا.. ثم تبيّن بعد ساعاتٍ عديدةٍ أن فرنسا رفضت استقباله، وأنه توجه إلى السعوديّة.
بعد فراغنا من صلاة الظهر في جامع الرحمة أصرّ طاهر على أن يدعوني إلى بيته لنتناول وجبة الغداء.. فذهبت معه إلى منزله وتناولنا الغداء بصحبة طفليه برّاق وشاهين اللذين لم تتوقف أسئلتي لهما عن جدول الضرب أولاً ثمّ عمّا سمعاه من قصة البوعزيزي والاحتجاجات.

وبعد كرم الغداء المنزلي الودود، تجوّلت في أرجاء مدينة سيدي بوزيد.. فذهبت أولاً إلى قصر البلدية، ثمّ إلى مقر الولاية، ثمّ إلى جامع الرحمة الذي شهد الشرارة الأولى.. وحادثت في تجوالي كثيراً من شباب المدينة ممن كانوا يعرفون محمد البوعزيزي، وبعض من كانوا يُشاركونه بيع الخضار أمام الجامع.

من خلال من التقيتهم بدا واضحاً أن محمد البوعزيزي كان شاباً طيباً ومحبوباً.. ومحافظاً على الصلاة.. ولكنه سريع الغضب.. وقد ولِد يتيم الأب.. وامتهن بيع الخُضار مذ كان في التاسعة عشرة من عمره.

بعد هذه الجولة في طرقات سيدي بوزيد توجهت إلى منزل أسرة محمد البوعزيزي، وإذ به منزل متواضع جداً لا تزيد مساحته عن خمسين متراً مربعاً، ويقع في زِقاق ضيّق.. وبالطبع كان المنزل فارغاً، لأن والدته وإخوته الصغار كانوا قد غادروا سيدي بوزيد بعد الحادثة ببضعة أسابيع، وأعطتهم الحكومة منزلاً كان يعود لعائلة الطرابلسي في ضاحية المرسى بالعاصمة تونس.

قبر البوعزيزي
سألتُ صاحبي طاهر عن المكان الذي دُفن فيه محمد.. فأخذني إلى مقبرة مخصصة لعشيرته تبعدُ عن سيدي بوزيد أكثر من عشرة كيلومترات.. وفي منطقةٍ وعرةٍ بوسط الصحراء لا تصل إليها السيارات وجدنا المقبرة.. وللقبور وقارها وهيبتها.. فوقفنا على قبره قُبيل المغرب، ودعونا له بالرحمة والمغفرة.. ثم استأذنت صاحبي في أبقى هنا لبِضعِ دقائق.. فجلستُ بقرب قبره.. وأمامي بدت عشراتُ القبور المُحاطة بفلاة لا ترى فيها بشرا.. وفي الأفق تبدو الصحراء المُمتدة وعلى أطرافها سلسلة جبالٍ تلوح من بعيد.. وبدأت أكتب.. إلى روح محمد البوعزيزي.. وإلى عربة الخُضار والكرامة:

ما عادت هذه أخشاباً يا محمد.. ولا ذلك الحديد الصدِئ المُتآكل ظلّ يُسمى عجلات.. ما عادت الأرض هي الأرض.. ولا الزمان هو الزمان.. ولا الناس هم الناس.. ولا الفضاء هو الفضاء.
ما عاد العرب هم العرب يا محمد.. ولا البُسطاء في هوامش المدن المنسيّة بقوا خارج جداول الحِساب.. ولا الرابضون لعقودٍ فوق الكراسي باتوا يأمنون مواطئ الأقدام.. حتى الأوغاد المتأنقون أمام كاميرات الإليزيه والبيت الأبيض ما عادوا يزدرون شعوبنا كما كانوا.
هل تعرف ما فعل اللهيب المُشتعل في كرامتك بوطننا العربي المُمتد بحجم الوجع من المحيط إلى الخليج؟!
هل تعرف ما فعل الغضب في الوجوه المُنهكة، والسواعد المكدودة، والأرواح المُثقلة بكل عذابات السنين؟!
هل تعرف ما فعل جسدك المُحترق يا محمد؟!
لقد أشعل الكرامة في عروق أوطاننا المطمورة تحت أكوام الفاسدين وأبناء الذوات.. وأوقد نيران الغضب فوق أرضنا التي أعياها التعب.. وبعث الحياة في أرواحٍ كان نبضها يتداعى على أجهزة الإنعاش.. وضخ الأمل في شرايين الشعوب المُعتقلة في كُل عنابر الوطن.
أنينُك الموجوع يا محمد لم يهدأ بعدُ في النفوس الثائرة بميادين التحرير.. وغضبُك ما زال مشتعلاً في ملايين الحناجر التي تهتف كل يومٍ بساحات التغيير.. والناس في عالمنا العربي الثائر صاروا يقفون أمام قبرك الممتد بحجم أوطاننا، ويتلون كُل صباح: (ومن أحياها فكأنّما أحيا الناس جميعا).. والشجى ما زال يبعثُ الشجى يا محمد.
في صدورنا لك عَهدٌ أن نقطع كل الجذوع الغليظة في غابات الظلم والقهر.. وفي نفوسنا لك دَينٌ أن نبتهل إلى الله في الخَلَوَات أن يُعليك في الجنّة بقدر ما هَوَت عروش الظالمين في الدَركات.. وفي أعناقنا لك بيعة أن نُشعل الجسد قبل انتهاك الكرامة.. فلهيب كرامتك يا محمد صنع في أوطاننا ثورة.

وقُبيل المغرب عدتُ إلى وسط سيدي بوزيد.. والتقيت مجدداً بعددٍ من الشباب قرب المكان الذين كان يبيع فيه البوعزيزي الخُضار أمام جامع الرحمة.. وتحاورتُ معهم وسألتهم عن بعض التفاصيل.. ثم اتفقتُ مع أحد رفاقه -وهو سائق سيارة أجرة- كي يوصلني إلى تونس.. لأن آخر رحلة كانت تُغادر محطة الحافلات في الثالثة ظهرا.. ولم يعد أمامي سوى الاستعانة بسائق خاص.

ما الجديد الذي يُمكن أن يروى فيه هذه القصة المعروفة؟!

لا أدري إن كانت بعض التفاصيل تعني القارئ.. ولكنها جزءٌ من المشهد الذي سمعته مراراً في سيدي بوزيد.. وقد بدت بعض المعلومات جديدة بالنسبة لي.

تفاصيل وأيقونة
فمثلاً، لم يكن محمد البوعزيزي جامعياً كما تناقلت وسائل الإعلام، بل كان قد انقطع عن الدراسة دون أن يكمل السنة الأخيرة في المرحلة الثانوية.. وأيضا فإن العربة (التي تحوّلت إلى أيقونة للثورة والكادحين) لم تكن ملكاً لمحمد البوعزيزي، ولكنها كانت ملكاً لشخص آخر اعتاد على أن يستعيرها منه.. ثم لمّا أحرق نفسه وبدأت الاحتجاجات، اشترتها أسرته من صاحبها.

لكن القصة التي بدت غريبة بالنسبة لي هي أن عديدين -والبعض خالفهم- أكدوا أن محمد البوعزيزي حين سكب على جسده البنزين أمام مقرّ الولاية لم يكن ينوي إحراق نفسه.. وإنما فعل ذلك فقط بنيّة تهديد المسؤولين.. ولكنه عندما أشعل النار في ولاّعة كانت معه تفاجأ بانتقال اللهب إلى جسده المُشبع بالبنزين بشكل سريع.. والله أعلم بحقيقة الأمر.

أيضاً ثمّة قصة لم تتناقلها وسائل الإعلام تتمثل في السبب الذي دفع الأسرة الصغيرة لمحمد (والدته وإخوته الصغار) إلى مغادرة سيدي بوزيد.. حيث يروي الكثيرون كيف كانت أسرته -وأمه تحديدا- تتعامل مع القضية بعد انتهاء الثورة وبدء توافد وسائل الإعلام الدوليّة، والاهتمام الكبير بقصة البوعزيزي.. حيث يرون أن الأسرة الصغيرة لم تتعامل مع قصة ابنهم بالاحترام اللازم، بل قامت بما يُشبه المتاجرة بها.

فمن ناحية كانت الأسرة تطلب مبالغ مالية كبيرة من أي جهة إعلاميةٍ تريد لقاء العائلة وتصويرها.. ومن ناحية أخرى بدأت العائلة تتعامل بتعالٍ واضح مع أهالي سيدي بوزيد، بل قامت -عبر علاقاتها الناشئة مع المسؤولين بعد الثورة- بالتعدي على بعض السكان.. كقيام والدة محمد باللجوء إلى أحد المسؤولين لسجن ابن أخيها (ابن خال محمد البوعزيزي) الذي كان من أكبر الناشطين في الاحتجاجات منذ بدايتها، وذلك لأسباب ربما ترجع إلى طبيعة التعامل مع القضيّة.

كذلك بسبب إصرار الأم على معاقبة عون التراتيب (فادية حمدي) التي تعاطف معها سكان سيدي بوزيد، وخرجوا في مظاهرة للدفاع عنها أمام مبنى المحكمة، وذلك لكونهم يرون أنها كانت تُطبّق القانون بصرامة، وإن كانت أساءت في التعامل.. إلا أن ذلك لا يستدعي مُعاقبتها بقسوة وسجنها لسنين، فهي إن كانت أخطأت، إلا أنها ليست المسؤولة عن حرق جسد محمد البوعزيزي.. وساهم هذا الموضوع بمزيدٍ من سوء العلاقة بين الأسرة الصغيرة لمحمد البوعزيزي وكثيرٍ من سكّان سيدي بوزيد، حتى إن بعض السكان صاروا يرددون -وسمعتها من عدة أشخاص- أن والدة محمد البوعزيزي صارت تُمثّل "طرابلسية" سيدي بوزيد.

*    *    *    *
وبمعزلٍ عن الأخطاء التي ارتكبتها العائلة الصغيرة ومدى دقتها، فإن محمد البوعزيزي رحمه الله لم يكن طرفا فيها.. ما هو مؤكد فقط أن محمداً كان طرفاً في موقف الاحتجاج على إهانة الإنسان والتعدي على حقوقه ولقمة عيشه.. وكان طرفاً كبيرا في ثورة الكرامة التي أوقدها جسده المشتعل في سيدي بوزيد.. فاشتغلت على وقعه ميادين التحرير وساحات التغيير في وطننا العربي الكبير.

kef le

About kef le

فرقة التحرير

Previous
Next Post

المقالات الأكثر قراءة

المواضيع

'سلفية «سيدي بو زيد أبو يعرب المرزوقي أحمد سوايعية أحمد بن بله أخبار أخبار الكاف استنبول الاتحاد العام التونسي للشغل الاتحاد من أجل تونس الاجتماع التشاوري حول سوريا الإخوان المسلمون الاردن الاسد الإسلام السياسي الاسلاميون الأصولية الإسلامية الإقتصاد الاقتصاد التونسي الأمازيغ الأميرة بسمة آل سعود الإنتخابات الباجي قائد السبسي الباجي قايد السبسي البحرين التطاول على دولة قطر التكفير الجزائر الجهادية السلفية الدولة الاسلامية الربيع العربي السعودية السلفية السلفية الجهادية السلفيون التكفيريون السودان الصوفية الطويرف العالم الإسلامي الغنوشي الفكر السلفي القذافي القرضاوي القصرين القيروان الكاف المجتمع التونسي المجلس الوطني التأسيسي المرسى المغرب المغرب العربي المنصف المرزوقى المنصف المرزوقي النهضة الولايات المتحدة الأميركية الوهابية السعودية اليمن امتثال أبو السعود امينة الزياني أنصار الشريعة أولمبيك الكاف إيران ایران ايران ﺑﺎﺟﺔ بثينة الزغلامي تاريخ الكاف تالة تركيا ﺗﺴﺘﻮر تكفير تونس ثورة تونس جامع الزيتونة جندوبة جندوبة، جهاد النكاح حبيبة الغريبي حركة "تمرد" حركة النهضة حركة نداء تونس حزب الله حقوق الانسان حكومة حبيب الصّيد حمادي الجبالي حماس خوارج العصر داعش دور الإعلام دولة القانون ذاكرة الكاف راشد الغنوشى راشد الغنوشي رفيق بن عبد السلام بوشلاكة روسيا رياضة ﺳﺎﻗﯿﺔ ﺳﯿﺪي ﯾﻮﺳﻒ ساقية سيدي يوسف سلفية وهابية سليانة سوريا سورية سيدي بوسعيد شكري بلعيد شمال أفريقيا صفاقس عادات وتقاليد عبد الفتاح مورو علي العريض علي لعريض غزة فرنسا فلسطين قابس قطر لبنان لمصر ليبيا مالي محمد منصف المرزوقي محمد يوسف مدينة الكاف مصر مصطفى الفيلاليالى مصطفى بن جعفر معتمدية كسري معدل البطالة منصف المرزوقي مهدي جمعة مهرجان قرطاج ميزانية تونس نصرالله نورالدين بالطيب هواري بومدين هيثم مناع هيثم منّاع والسعودية والمجتمع التونسي وضع المرأة ولاية القصرين ولاية الكاف ولاية باجة ولاية جندوبة Abdelfattah Mourou Ennahdha France Ghardimaou Ghribi Hamadi Jebali Japan le kef libya Marzouki Moncef Marzouki Mustapha Ben Jaafar Mutamar Rached Ghannouchi Sakiet Sidi Youssef salafistes Siliana Tawakkolk Tunisie

أخبار الكاف وأخبار العالم العربي والفضائيات العربية والإسلامية

Copyright © lekef.com. All rights reserved